يمثل المسعى بين الصفا والمروة أحد أبرز المعالم الإسلامية المرتبطة بمناسك الحج والعمرة، حيث يؤدي ملايين المسلمين هذه الشعيرة اقتداءً بسيدة الإسلام هاجر عليها السلام، واستجابة للأمر الإلهي الذي ارتبط بقصة نبي الله إبراهيم عليه السلام وأسرته في مكة المكرمة، وقد شهد هذا المكان المبارك تطورات كبيرة على مدار القرون حتى أصبح اليوم من أكبر المشاريع الخدمية المخصصة لاستقبال ضيوف الرحمن.
بداية تاريخية تعود إلى عهد إبراهيم عليه السلام
ترجع جذور السعي بين الصفا والمروة إلى قصة هاجر عليها السلام عندما كانت تبحث عن الماء لابنها إسماعيل عليه السلام بين الجبلين، لتتحول هذه الرحلة إلى شعيرة دينية خالدة يؤديها الحجاج والمعتمرون في كل عام، ومع مرور الزمن أصبحت المنطقة المحيطة بالمسعى جزءًا أساسيًا من المشهد العمراني لمكة المكرمة.
المسعى في العصور الإسلامية الأولى
شهدت المنطقة خلال فترة ما قبل الإسلام وجود مساكن تحيط بالكعبة المشرفة والمسعى، ثم استمرت أعمال التطوير بعد ظهور الإسلام، حيث اهتم الخلفاء الراشدون بتحسين المرافق المرتبطة بالحرم المكي، وكان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أوائل من وجهوا بأعمال تطوير وتنظيم للمسعى.
وفي العصر الأموي تواصلت جهود التوسعة مع زيادة أعداد الزوار والحجاج، كما امتدت أعمال التطوير خلال العصر العباسي لتشمل أجزاء إضافية من منطقة المسعى بما يتناسب مع التوسع العمراني الذي شهدته مكة المكرمة آنذاك.
مراحل التطوير والتوسعة عبر القرون
مع تزايد أعداد المسلمين القادمين إلى مكة المكرمة من مختلف أنحاء العالم، برزت الحاجة إلى تحسين مرافق المسعى وتطويرها بشكل مستمر، وشهدت المنطقة أعمال فرش وتبليط ساهمت في تقليل الأتربة وتسهيل الحركة، كما تم إنشاء سقف للمسعى لأول مرة خلال بدايات القرن الرابع عشر الهجري لتوفير مزيد من الراحة للحجاج والمعتمرين.
العهد السعودي ونقلة تاريخية غير مسبوقة
بدأت مرحلة جديدة من التطوير الشامل للمسعى في عهد الدولة السعودية، حيث انطلقت أعمال توسعة كبيرة شملت إزالة العديد من المواقع القديمة وتطوير البنية التحتية للمكان، كما تم تحسين أرضيات المسعى وتوفير الخدمات اللازمة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الزوار.
وتواصلت التوسعات خلال عهود الملوك المتعاقبين، إذ شهد عهد الملك سعود تنفيذ مشروعات تطويرية واسعة وإضافة طوابق جديدة، بينما استمرت أعمال التحسين والتجميل في عهد الملك فيصل، كما شهد عهد الملك خالد إدخال خدمات حديثة شملت الممرات المخصصة لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.
أكبر مشروع لخدمة الساعين
وصلت أعمال التطوير إلى مستويات غير مسبوقة خلال العقود الأخيرة، حيث أصبح المسعى نموذجًا عالميًا في إدارة الحشود وتقديم الخدمات، مع توفير أنظمة التكييف الحديثة والممرات الواسعة ومرافق الراحة المتكاملة، بما يضمن للحجاج والمعتمرين أداء النسك بسهولة وأمان.
وتعكس التوسعات المتلاحقة التي شهدها المسعى حجم العناية الكبيرة التي توليها المملكة العربية السعودية للحرمين الشريفين وقاصديهما، حيث تحول المكان من وادٍ بين جبلين إلى منشأة ضخمة تستوعب ملايين الزوار سنويًا وتوفر لهم تجربة إيمانية مميزة في أجواء من الراحة والتنظيم.
- المصدر : سبق

