أشاد تقرير اقتصادي دولي بتجربة مصر في التعامل مع أزمة سعر الصرف، معتبرًا أن القاهرة اتبعت هذه المرة مسارًا مختلفًا عن الأزمات السابقة، بعدما سمحت للجنيه بالتحرك مبكرًا بدلًا من تأجيل الخفض إلى مراحل لاحقة.
وبحسب التقرير، فإن هذا النهج ساعد مصر على تجنب اضطرابات أعنف كانت تتكرر عادة مع كل صدمة خارجية، خاصة في بلد يعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء والطاقة ويتأثر سريعًا بارتفاع الأسعار العالمية.
منطق مختلف عن “الخوف من التعويم”
أوضح التقرير أن كثيرًا من اقتصادات الأسواق الناشئة كانت تاريخيًا تتحفظ على ترك عملاتها تتحرك بحرية، بسبب القلق من تقلبات سعر الصرف، وهو ما تناولته دراسة شهيرة بعنوان “الخوف من التعويم” صدرت عام 2002 للاقتصاديين غييرمو كالفو وكارمن راينهارت.
وأشار إلى أن معظم هذه الأسواق أصبحت اليوم أقرب إلى تطبيق أنظمة سعر صرف مرنة، مع تدخل البنوك المركزية فقط عند فترات التقلبات الحادة مثل أزمة كورونا.
ورغم ذلك، لا تزال بعض الدول تفضل تثبيت عملاتها أو إدارتها بشكل مباشر، ومن بينها الأرجنتين في أمريكا اللاتينية، بينما اتجهت الصين مجددًا نحو ربط عملتها بالدولار بعد فترة من السماح بمزيد من التقلبات.
مصر وتكرار أزمات الربط بالدولار
لفت التقرير إلى أن مصر كانت من أبرز دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي اعتمدت لفترات طويلة على ربط الجنيه بالدولار، وهو ما أدى إلى أزمات متكررة مع كل صدمة عالمية ترفع أسعار الغذاء والطاقة.
وأضاف أن السلطات كانت في السابق تؤجل خفض قيمة الجنيه عبر استخدام الاحتياطيات الأجنبية للدفاع عن سعر الصرف، قبل أن تضطر لاحقًا إلى تنفيذ تخفيضات حادة ومفاجئة للعملة، تسببت في أزمات اقتصادية ومعيشية طويلة.
إشادة بالتحرك المبكر
بحسب التقرير، كسرت مصر هذا النمط خلال المرحلة الحالية بعدما سمحت بانخفاض الجنيه أمام الدولار بشكل مبكر وسريع. واعتبر أن هذا التحرك ساعد على تجنب اضطرابات أعنف كانت تحدث عادة في المراحل اللاحقة من الأزمات السابقة.
ورأى التقرير أن هذا المسار يُحسب للحكومة المصرية، رغم ما يحمله خفض العملة من تكلفة سياسية وضغوط تضخمية قصيرة الأجل نتيجة ارتفاع أسعار الواردات.
وأضاف أن السماح بخفض تدريجي ومنظم لقيمة العملة يظل أفضل بكثير من الوصول إلى تخفيضات حادة ومفاجئة كما حدث في أزمات سابقة.
مقارنة مع دول أخرى
وأشار التقرير إلى أن الوضع في مصر يبدو مختلفًا مقارنة بعدد من الدول الأخرى. وذكر أن تركيا ما تزال تواجه ضغوطًا على عملتها، حتى إنها لجأت إلى بيع ومبادلة جزء من احتياطيات الذهب لدعم احتياطيات النقد الأجنبي.
كما أوضح أن باكستان لا تزال متمسكة بربط عملتها بالدولار، بينما كانت الهند من بين الدول القليلة المستوردة للطاقة التي سمحت لعملتها بالتراجع، وإن كانت أكثر مرونة تاريخيًا في التعامل مع سعر الصرف مقارنة بمصر أو الأرجنتين.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن التحول الذي قامت به مصر في إدارة أزمة سعر الصرف الحالية يعد تطورًا لافتًا مقارنة بالنهج الذي اتبعته البلاد خلال الأزمات السابقة.

